دموع صادقة .. وعزيزة للناقد: بحر الحب
يُعرف عن دمعة الرجل بأنها عنيدة لا تخرج إلا في الوقت الصعب وإن خرجت يكون لها تأثيرها البالغ لأنها ذات هيبة ولا نراها باستمرار ، وكل شخص له طريقته في الدموع.. هناك من يبكي بحرقة وهناك من يحبس العبرات ونراها بعينيه ويبكي من الداخل.. هناك من يبكي وحيداً وهناك من تنهمر دموعه على أتفه سبب لأنه امتنع عنها في الأوقات الصعبة ولا مجال آخر للكتمان ، وهذا يجرنا إلى الأعمال الدرامية وأداء الممثلين.. فمعظم المشاهد المؤثرة في تاريخنا الفني كانت مرتبطة بالممثلات بالدرجة الأولى وهذا ناتج لأن طبيعة المرأة هكذا دمعتها قريبة وتأثرها سريع وتبكي بكل وقت.. بالعرس تبچي بالعزا تبچي تمدحها تبچي تنتقدها تبچي تقولها نكتة تبچي ، ولكن لو كانت هذه المشاهد لممثلين فإن التأثير سيكون أقوى لنفس الأسباب السابقة.. وهذه المشاهد لا يوجد بها حل وسط إما مبكية جداً أو مصطنعة جداً ، في هذا الموضوع لا نتوقف عند أشهر المشاهد بل عند أبرز الممثلين الذين بكوا على الشاشة ونتعرف على طريقة كل ممثل فيها.
بالنسبة لي فإن أكثر الممثلين إقناعاً في مشاهد البكاء هما سعد الفرج وعبدالرحمن العقل ، الدموع لديهما تلقائية وتخرج كالأنهار ولا تملك إلا أن تصدقها وتتأثر.. سعد الفرج في كثير من مسلسلاته الأخيرة كان يجسد الشجن الذي بداخله خاصة “بوكريم” و”مجموعة إنسان” ويبكيك لا شعورياً ، والعقل (دمعته على طريف) لو تذكرنا مشهده التاريخي في “دلق سهيل” بتلقيه خبر وفاة شقيقه سالم وانهياره أو حواره الشهير في “انتخبوا أم علي” ، وكلاهما -الفرج والعقل- لو شاهدناهما في اللقاءات سنجد أيضاً أن الدموع توجدات ببعض الأحيان فهي حالة طبيعية للاثنين ، نوع آخر من البكاء نجده عند عبدالحسين عبدالرضا وغانم الصالح وهو الانكسار ومغالبة الدموع وهذا النوع صعب ويعتمد على إحساس الممثل بعيداً عن الطريقة السهلة في التأثير على الجمهور ومعرض لفخ المبالغة ، عبدالحسين في مشهد لم يأخذ حقه في “الحيالة” حينما رفضت أم لولوة زواجه من ابنتها فذهب يعاتب شقيقه مانع (هذي مو حوبتك هذي قرادتي!) بأداء يكسر القلب من أعظم ممثل كوميدي ، غانم الصالح بمشهده الأسطوري في “الخراز” الشهير ب(برضاي) اكتفى بكلمة ودمعة ليبلغ ذروة الأداء فغانم لا يبكي كثيراً ولكن إن بكى أقنع ، وبالتالي فإن مشاهد الحزن لا تخرج عن هذين النوعين إما بكاء لدرجة الانهيار أو مغالبة الدموع وكلاهما مؤثر ، داود حسين بكى بأدوار كثيرة لكن أعظم “بچوة” له كانت في “موضي قطعة من ذهب” حينما انسحب من المكان بملامح جامدة ليبكي وحيداً على زوجته سبيكة والتدرج بالموقف كان رائعاً.
العملاق علي المفيدي في “دلق سهيل” قدم أحد أفضل الأداءات بالتاريخ.. مشهد توديع ابنه “فارس” ومشهد استقباله لملابسه بعد أن ظن أنه مات كانت مبكية خاصة أنه أعمى فتخرج الدمعة مختلفة ، في جيل الشباب هناك أمثلة جيدة أبرزهم خالد أمين في “زوارة الخميس” مشاهده كانت مدهشة وهو من القلائل الذين يتقنون “رجفة” البكاء وأيضاً في “علمني كيف أنساك” ، يعقوب عبدالله فجّر مواهبه التمثيلية في “دمعة يتيم” بمشاهد كثيرة أهمها مشهد طرده من البيت مع طفله الوحيد ، مشاري البلام في “جرح الزمن” أبكى الملايين وكان نوع بكاء صعب لأنه من فئة الصم والبكم لا يفهم ماذا يدور حوله لكن احساسه يخبره بكل شيء فتنهمر دموعه ، عبدالله الطراروة في “عبرة شارع” وإن أسرفوا كثيراً بمشاهده في الحزن إلا أن هناك مشهد لا ينسى وهو دخول والدته عليه بالمستشفى وبكاءه لأنه كان يدعي أنها تزوره.
في نفس المسلسل تألق جمال الردهان والذي كانت له محطات كثيرة مع الدموع أشهرها “خطوات على الجليد” وله أسلوب مميز في النحيب لكن دون مبالغة ، علي جمعة في “دارت الأيام” و”دمعة يتيم” قدم أدوار شريرة لكن في الحلقة الأخيرة ينقلب حاله فيقنعنا بهذا البكاء رغم كرهنا للشخصية ، وهناك الكثير من الفنانين الكبار الذين تميزوا بهذه النوعية من المشاهد مثل إبراهيم الصلال وجاسم النبهان ومحمد المنصور ومحمد جابر وعبدالإمام عبدالله وعبدالعزيز جاسم وغيرهم وكلٍ له طريقته في أداءها
